• ×

06:26 مساءً , الإثنين 2 أغسطس 2021

نفح العود في سيرة الشيخ سعود

التاريخ 07-07-2021 09:10 مساءً
تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 161
الأفلاج : مقال - الدكتور عبدالله برجس الدوسري : إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا خالي لمحزونون.
إنه فضيلة الشيخ الدكتور/ سعود بن محمد بن عبد الله البشر، صنو والدتي وقرة عينها، وصهر والدي ورفيق دربه، وقدوتي ومثلي الأعلى.
علم من أعلام هذه البلاد، وعلمائها الربانيين، مع ورع صادق ونقاء سريرة وتواضع جمّ في عزة نفس.
عميد أسرة آل بشر اللامية الطائية وملهمها ووجيهها.
وأحد المؤسسين الكبار لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وركن من أركانها، ورائد من رواد رؤيتها ورسالتها.
نشأ في بيت دين وعلم وتقى وصلاح، فوالده محمد بن عبد الله (جدي لأمي) - المعروف بالمطوع- في ذلك الوقت.
من كبار الدعاة إلى الله، معروف بكلمة الحق لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان -رحمه الله- يتوسم في ابنيه -عبد الله وسعود-النباهة والفطنة، والذكاء المتوقد، مع حزم وعزم وهمة، وكأنه يستقرئ فيهما أن سيكون لهما شأن بين أقرانهما، وهذا ما كان، فقد تولى ابنه الأكبر القضاء بمكة المكرمة.
أما سعود فواصل دراساته العليا بعد كلية الشريعة، وعمل مدرسا في وزارة الدفاع، فكان له فيها أيادٍ بيضاء، فلم يكتف كغيره بكونه مدرسا فحسب، بل وضع إستراتيجية للابتعاث، والمشاركة في مجلة الوزارة (الجندي المسلم) آنذاك، واستمر على ذلك إلى أن ابتدأت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتأسست.
يقول زارني في بيتي وكيل الجامعة آنذاك الدكتور عبد الله السعد -رحمه الله- فعرض وعزم عليّ الانتقال للجامعة فاستعنت بالله ووافقت.
وكانت تلك بداية عهدٍ جديدٍ لمسيرة حافلة بالعطاء العلمي مع رجال أكفاء، لإدارة أكبر جامعة إسلامية في العالم، بدعم من ولاة أمر هذه البلاد آنذاك -رحمهم الله- فأصبحت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية منارة هدى، وصرحًا من صروح العلم والدعوة، ليس للمملكة فحسب، بل للعالم الإسلامي والعالم بأسره.
وأضحى طلبة العلم يتوافدون عليها من بقاع العالم، وبالمقابل تبعث الجامعة أساتذتها للمشاركة في المحافل العلمية، والملتقيات الدعوية، لعدد من الدول، وكان الشيخ سعود -رحمه الله- من طلائع أولئك الرجال الذين أبلوا بلاء حسنًا في العلم والدعوة، وفق منهج شرعي وسطي معتدل.
ثم ما إن لبث أن تسنم ذروة كلية الدعوة والإعلام، فكان أول عميد لها، فاستقطبت الكفاءات العلمية والدعوية، من المعيدين والمحاضرين، ممن أصبحوا –لاحقًا- لهم أثر مشهود في الدعوة إلى الله على بصيرة، وكذا في الشقّ الإعلامي، فأضحت الكلية بمنسوبيها وخريجيها ذات أثر بارز في الإعلام المعتدل الهادف للمشاركة في مسيرة هذه البلاد المباركة.
وكان -رحمه الله- يذكر دائما كيف كان خريجو الكلية يعينون في التعليم على المستوى الرابع، وكيف أنه اجتمع شخصيًّا مع المسؤولين في وزارة التربية والتعليم آنذاك، واستوفت الكلية جميع المتطلبات التربوية؛ ليستحق الخريجون المستوى الخامس نظير زملائهم في كلية الشريعة.
وكان من طلائع الخريجين ابن أخيه أ.د مسفر بن عبد الله البشر وكيل كلية الدعوة والإعلام سابقًا، وأمين جائزة الأمير نايف للسنة النبوية حاليًّا.
وكذا ابنه أ.د محمد بن سعود البشر أستاذ الإعلام السياسي بكلية الإعلام والاتصال حاليًا.
وتولى الشيخ عددا من المسؤوليات الكبرى في الجامعة، إلى أن حطت به الرحال في المعهد العالي للقضاء، فتولى رئاسة قسم السياسة الشرعية والتدريس فيه، ثم كُلِّف عميدًا للمعهد العالي للقضاء، وكانت له نظرة ثاقبة، وهي ضرورة تعيين محاضرين من السعوديين، وأن هؤلاء هم عماد مستقبل المعهد، بينما كانت النظرة الأخرى أن تستقطب كفاءات علمية من كليات الشريعة أو ما يماثلها، فاقتنع المسؤولون في الجامعة بأن الخيار الأول هو الأجدى، وأن صغار قوم كبار آخرين.
خاصة أن كليات الشريعة لن تتخلى عن منسوبيها بسهولة، وهذا ما كان، فخلال سنوات معدودات تمت سعْودة المعهد العالي للقضاء بكفاءات شرعية وطنية قديرة.
واستمر -رحمه الله- في التدريس حتى بعد التقاعد، فتعاقد معه المعهد العالي للقضاء سنين طوالًا، إلى أن قارب الثمانين من عمره، فكان نهرًا لا ينضب، ومعينًا لا تكدره الدلاء، في التعليم والإشراف والمناقشات العلمية.
فكانت الجامعة وإدارة المعهد العالي للقضاء وأساتذته الذين هم غرس يديه يحرصون كل عام على التمديد له، والظفر به، ويعدونها غنيمة لا تقدر بثمن.
وثمة جانب مشرق ووجه آخر له -رحمه الله- وهو محبة الشفاعة الحسنة وحب الخير للناس طوال حياته، فكان رحمة وبركات على القاصي والداني، والقريب والبعيد، ومن يعرف ومن لا يعرف، يبذل جاهه ووسعه بكل وسيلة ممكنة، بالزيارة أحيانا، وبالمكالمات أحيانا، وكان محل تقدير وحفاوة، ولا يكاد يرد له طلب من ولاة الأمر، ومن المسؤولين في الدولة، فكان مكتبه وبيته قبلة لقاصدي الشفاعة وقضاء حوائج الناس، بل سمعت من غير واحد أنهم يتركون بعض أقاربهم ومعارفهم ويقصدون الشيخ فيفتح الله لهم بسببه الأبواب المغلقة، ويقضون مآربهم من غير منّ ولا أذى.
كان -رحمه الله- زاهدًا في المناصب، وكانت تتزين له، ويصد بوجهه عنها، وقد حدثني فقال: تلقيت مكالمة من الإمارة بأن الأمير سلمان (خادم الحرمين الشريفين) يرغب في مقابلتي، يقول: فذهبت على الموعد، وقابلته في مكتبه على انفراد، فذكر لي بأن الدولة ترغب في ترشيحي لعضوية مجلس الشورى، في دورته الأولى. يقول: فشكرت سموه ثم طلبته أن يعفيني، وقلت: إنني أريد أن أبقى في الجامعة وفي الجو العلمي ولا أبغي عنه بديلا. يقول: فقدر لي الأمير (الملك) هذه الرغبة، وأيدني وقال: أحسنت الاختيار.
وسمعته يقول: أتيت الأمير سلمان في مكتبه للشفاعة لأحد أبناء العمومة، وذكرت له تاريخ أسرتنا ومواقف رجالاتها مع الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان الشيخ إذا تكلم أبهر السامعين بكلام موزون وعبارات رصينة فأعجب الأمير (الملك) بهذه السيرة العطرة وتلك المواقف الخالدة، يقول: وأرسل لي من الغد في بيتي مدير مكتبه الخاص عبد الله السلوم، لتدون في وثائق محفوظة.
كان -رحمه الله- جوادًا كريمًا مضيافا، يحب الناس ويأنس بهم ويأنسون به، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم من غير أن يثقل عليهم. وسمعته يقول: لا أذكر أني وجبت (تممت) لأحد في مناسبة تخصني، وأن هذا من أثقل الأشياء على نفسي، وكان لا يكاد يتخلف عن مناسبات أسرته وجماعته سواء في الأعياد أو الأفراح أو العزاء في الأفلاج وفي الرياض، فتجده أول الحاضرين مقتديًا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إجابة الدعوة وإدخال السرور على الناس.
أما المظاهر فكانت من أبغض الأشياء إلى نفسه، فكان يستهجنها ويستقبحها غاية القبح، وقد زوج عامة بناته في بيته في مناسبة خاصة مشهودة، يجمع أقارب العروسين من غير تقتير ولا تبذير، وكان يذكر هذا دائما ويعجبه.
كان من أوائل من سكن حي السليمانية في الرياض في التسعينات الهجرية، فأسس جامعًا قريبًا من بيته، وتولى إمامته والخطابة فيه أكثر من خمس وثلاثين سنة، فكان محل حفاوة ومحبة بالغة لأهل الحي، يحبونه ويستفتونه، وينهلون من علمه، ويهتدون بسيرته، فكان ملء السمع والبصر.
اقتدى بسيرة والده –رحمه الله- في المكث في المسجد بين العشاءين بنية الاعتكاف غالب العام للقراءة والمدارسة ولمن رغب من طلاب الجامعة في اللقاء به.
وكان يختم القران عن ظهر قلب في أيام معدودات، ويصلي بالناس التراويح في رمضان حفظًا، وربما ختم بهم مرتين في -العشرين الأولى وفي العشر الأواخر.
روى عنه مؤذن مسجده فقال: "وكنت أسمع منه عجباً رغم كبر سنه وتعب قلبه... حتى أني في بعض الأیام سمعته بین الآذان والإقامة في صلاة الفجر یفتتح بالبقرة وفي صلاة الظھر يقرأ بالمائدة، وھذه وإن كانت في سیر العباد ما ھو أشد من ذلك وأعجب إلا أنھا في وضع مثله وكبر سنه وظروفه الصحیة، وانشغاله في التدریس في المعھد العالي للقضاء وقراءة الرسائل العلمیة ومناقشاتھا وتردد طلابه عليه تدل على عظيم صنيعه وشدة حرصه على كتاب ربه وتلاوته...)ا.ه
وامتازت عامة خطبه ودروسه ومحاضراته في الجامعة وفي وسائل الإعلام بسلوك المسلك الوسطي المعتدل،
فلم تجرفه الأهواء يمنة أو يسرة، بل كان جبلًا راسخًا في عقيدته ومنهجه وولائه ونصحه لولاة أمره، وسطًا بين الغالي والجافي، يربأ بنفسه عن التزلف الممجوج وعن الجفاء المقيت، في مدة حرجة زلت فيها أقدام بعد ثبوتها.
يحب العلماء -وهو منهم- ويتواصل معهم، ويحتفي بفتاواهم ويجلها، خاصة ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
وأذكر أن معالي الشيخ صالح اللحيدان -حفظه الله- صلى معي الجمعة في جامع مستشفى الملك فيصل التخصصي وبعد الصلاة والخطبة سلمت عليه، وذكرت له سيرة الشيخ سعود وقرابتي منه فأثنى عليه ثناء عاطرا وقال: (الشيخ سعود من خواص إخواننا) أو كلمة نحوها.
وحضرت مجلسا لمعالي الشيخ سعد الشثري -وفقه الله- في حضرة خالي -رحمه الله- فرأيت من تودد الشيخ سعد وتلطفه وحفاوته بالشيخ شيئا عجيبا وثناء عاطرا.
وزرت معه حبيبه وخليله الشيخ عبد الله الخرعان -بعد طول غيبة- فاستقبلنا الشيخ وابنه د. محمد عند باب منزله، فتعانقا عناقا طويلا حتى سمعنا نشيجهما.
ولا غرو في ذلك، فهذه أخلاق الكبار وصفات الصالحين يتحابون في الله على نور من الله يرجون ثواب الله.
تلك شذرات من سيرة حافلة، وحياة كريمة، لرجل دين ودولة، كتبتها بدمع عيني، على عجالة من أمري، والغصة تملأ حلقي، ولو استطردت لما كفتني أسفار من ورق، لكن حسبي أن ألمحت إلماحة، ومهدت لسيرة عاطرة فواحة، شذاها الطيب ومعدنها الطيب، علّها أن تفي ببعض حقه، وتبرهن على صادق حبه.
والوعد -إن شاء الله- جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
وكتبه د. عبد الله بن برجس الدوسري
رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود
التعليقات ( 0 )

القوالب التكميلية للأخبار

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:26 مساءً الإثنين 2 أغسطس 2021.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
التصميم بواسطة ALTALEDI NET